السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
60
مفاتيح الأصول
الوجه نظر فإنّ مجرّد وقوع الخلاف لا يمنع من تحقّق التواتر فإنّ المخالف قد ينكر لسبق شبهة ولذا اشترط المرتضى في التواتر عدم سبق شبهة واستحسنه كثير من المحقّقين وبالجملة إنكار وقوع المتواتر من اللَّغات فاسد جدّا والتّشكيك فيه تشكيك في مصادمة الظاهر ومدافعة البديهة فإنّا نقطع بأنّ من اللَّغة والنّحو والتصريف ما هو متواتر بعينه وثانيهما ما لا يفيد العلم وهو الَّذي ينقله الآحاد كابن الأثير والفيروزآبادي وسيبويه والأخفش ونحوهم وهل هو حجّة في الجملة أو لا مطلقا اختلف فيه الأصوليّون فذهب شاذّ إلى الثاني كما يستفاد من بعض الأصوليّين ولكنّي لم أعرفه وذهب المعظم إلى الأوّل وهو المعتمد ولهم وجوه الأوّل أنّه قد يفيد الظنّ فيكون حجّة لأصالة حجيّة الظَّن في اللَّغات لا يقال لا نسلَّم إفادة شيء منه الظنّ لأنّ خبر الواحد إنّما يفيد الظنّ لو سلَّم عن المعارض والقدح في النّاقل وهو هنا ممنوع فإن أجل ما صنف في اللَّغة كتاب سيبويه وكتاب العين وقدح الكوفيّين في كتاب سيبويه وفي مصنّفه ظاهر وقدح البصريّين في الكوفيّين ظاهر كعكسه واتّفق جمهور أهل اللَّغة على القدح في كتاب العين وأورد ابن جنّي في الخصائص في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض بابا وبابا آخر في أنّ لغة أهل الوبر أصحّ من لغة أهل المدر وغرضه القدح في الكوفيّين وبابا آخر في الغريب لم يعلم إلَّا من ابن أحمد الباهلي وروي عن رؤبة وابنه أنّهما ارتجلا ألفاظا لم يسبقهما إليها وكذا قال المازني ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ونسب الأصمعي إلى الخلاعة زيادة ألفاظ في اللَّغة لم تكن وعن ابن جنّي أنّ الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه فتشاغلت العرب عنه بالجهاد بعد ظهور الإسلام فلمّا اشتهر ورجعت إلى أوطانهم راجعوا إلى الشّعر وقد هلك أكثر العرب ولا كتاب هناك يرجع إليه وعن يونس وأبي عمرو أنه ما انتهى إلينا مما قالت العرب إلا أقلَّه وأيضا الغالب على أهل اللَّغة فساد المذهب وانتفاء العدالة ومع ذلك فلا يؤمن عليهم من تعمّد الكذب والوضع إذا تعلَّق بذلك الأغراض الفاسدة فإن تحاسد الأدباء وتنافسهم في القرب من السّلاطين والأمراء أمر معلوم ظاهر جلي وقصّة سيبويه والكسائي مشهورة وقد قيل إنّ العرب رشوا في موافقة الكسائي أو إنّهم علموا بمكانه عند الرّشيد فوافقوه لأنّا نقول منع حصول الظنّ من خبر الواحد اللَّغوي مطلقا مكابرة واضحة مناقشة فاسدة بل الغالب فيه حصول الظنّ خصوصا من المشاهير والمعتمدين كابن الأثير والفيروزآبادي وسيبويه والكسائي ونحوهم والأمور المذكورة لا تصلح لدفع ما ذكر جدّا ولا يقال لا نسلَّم حجيّة الظنّ المستفاد من ذلك بل مقتضى العمومات النّاهية عن العمل بالظنّ وغير العلم من الكتاب والسنّة عدم الحجيّة لأنّا نقول المنع من حجيّة ذلك لا وجه له بعد قيام الدليل القاطع عليه وسيأتي إليه الإشارة إن شاء الله وبه يندفع العمومات المذكورة لو سلَّم شمولها له الثّاني الإجماع وإطباق العلماء في جميع الأعصار على حجيّة خبر اللَّغوي واعتباره من غير توقّف ولا إنكار كما أشار إليه السيّد الأستاذ رحمه الله والفاضل الخراساني على الظاهر فقال الأوّل فإنّ المفسرين والمحدّثين والأصوليّين والفقهاء والأدباء على كثرتهم واختلاف علومهم وفتواهم لم يزالوا في وضع اللَّغات وتعيين معانيها يستندون إلى أقوال اللغويّين ويعتمدون عليها ويراجعون الكتب المدوّنة فيها قد جرت بذلك عادتهم واستمرّت طريقتهم حتّى أنّهم في مقام التخاصم والنّزاع في اللَّغة إذا استند أحدهم إلى نصّ لغويّ يوافق مقالته التزم به الخصم أو عارضه بنصّ آخر يقابله ولم يقل هذا خبر واحد وهو لا يفيد الظنّ وعلى تقدير إفادته الظَّن فلا عبرة به إذ الحجّة هو القطع دون غيره ولولا أنّ حصول الظنّ والحجيّة من الأمور المقرّرة المعلومة لديهم بل الضرورية عندهم لما أمسكوا عن النكير فإنّ العادة قاضية بذلك في مقام التّشاجر والتّنازع ولقد طال ما وقع التّخاصم بينهم فلم يخرجوا على ما ذكرنا من القبول والإذعان أو الإتيان بالمعارض كما لا يخفى على من له أدنى تتبّع وبالجملة فاعتماد العلماء على اللَّغة واستنادهم إليها أمر بيّن يكفي العيان به عن مئونة البيان وأغنت جلية الشّأن فيه عن إقامة الحجّة والبرهان وحسبك في ذلك اعتناء الأكابر والأعاظم بجمع اللَّغة وضبطها وتدوينها وحفظها حتّى صنّفوا فيها الكتب المشهورة والمؤلَّفات المعروفة وما فعلوا ذلك إلَّا لتكون الكتب المؤلَّفة في هذا الفنّ مرجعا لمن بعدهم ومنهلا لمن يأتي من الفضلاء والأدباء ليأخذوا منها ويصدروا عنها والمقصد الأسنى من التّصدي لهذا الجمع والتّأليف هو مثرح القرآن والحديث وحلّ ما فيها من الألفاظ المشكلة واللَّغات العربية على ما صرّحوا به في خطبهم ومفتح كتبهم ودل على إطرائهم في وصف اللَّغة وفضيلته وذكر مزاياه وخصائصه فإنّا بأسرها راجعة إلى أمر واحد هو تيسّر فهم الكتاب والسنّة بهذا الفنّ ولذا اقتصر كثير من أهل اللَّغة كأبي عبيد والمازني وقطرب وأبي عبيدة وابن قتيبة والبستيّ والهروي وابن الأثير وغيرهم على إيراد غريب القرآن والحديث وغريب الحديث وحده ولم يتعرّضوا لما سوى ذلك لحصول الغرض بهذا